سيد قطب
1266
في ظلال القرآن
الذي سيطر عليه فمنعه من طاعة ربه . وهو يعرف أنه ربه وخالقه ، ومالك أمره وأمر الوجود كله ؛ لا يشك في شيء من هذا كله ! وكذلك نجد في المشهد ثلاثة نماذج من خلق اللّه : نموذج الطاعة المطلقة والتسليم العميق . ونموذج العصيان المطلق والاستكبار المقيت . . وطبيعة ثالثة هي الطبيعة البشرية . وسنعلم خصائصها وصفاتها المزدوجة فيما سيجيء . فأما الطبيعة الأولى فهي خالصة للّه ، وقد انتهى دورها في هذا الموقف بهذا التسليم المطلق . وأما الطبيعتان الأخريان ، فسنعرف كيف تتجهان . « قالَ : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » . لقد جعل إبليس له رأيا مع النص . وجعل لنفسه حقا في أن يحكم نفسه وفق ما يرى هو من سبب وعلة مع وجود الأمر . . وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر ، ويبطل التفكر ؛ وتتعين الطاعة ، ويتحتم التنفيذ . . وهذا إبليس - لعنه اللّه - لم يكن ينقصه أن يعلم أن اللّه هو الخالق المالك الرازق المدبر الذي لا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذنه وقدره . . ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه . . بمنطق من عند نفسه : « قالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » . . فكان الجزاء العاجل الذي تلقاه لتوه : « قالَ : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ، فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ » . . إن علمه باللّه لم ينفعه ، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه . . وكذلك كل من يتلقى أمر اللّه ؛ ثم يجعل لنفسه نظرا في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه ؛ وحاكمية في قضية قضى اللّه فيها من قبل ؛ يرد بها قضاء اللّه في هذه القضية . . إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد . فإبليس لم يكن ينقصه العلم ، ولم يكن ينقصه الاعتقاد ! لقد طرد من الجنة ، وطرد من رحمة اللّه ، وحقت عليه اللعنة ، وكتب عليه الصغار . ولكن الشرير العنيد لا ينسى أن آدم هو سبب الطرد والغضب ؛ ولا يستسلم لمصيره البائس دون أن ينتقم . ثم ليؤدي وظيفته وفق طبيعة الشر التي تمحضت فيه : « قالَ : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قالَ : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . قالَ : فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ » . . فهو الإصرار المطلق على الشر ، والتصميم المطلق على الغواية . . وبذلك تتكشف هذه الطبيعة عن خصائصها الأولى . . شر ليس عارضا ولا وقتيا . إنما هو الشر الأصيل العامد القاصد العنيد . . ثم هو التصوير المشخص للمعاني العقلية والحركات النفسية ، في مشاهد شاخصة حية : لقد سأل إبليس ربه أن ينظره إلى يوم البعث . وهو يعلم أن هذا الذي يطلبه لا يقع إلّا بإرادة اللّه وقدره . ولقد أجابه اللّه إلى طلبه في الإنظار ، ولكن إلى « يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » * كما جاء في السورة الأخرى . وقد وردت الروايات : أنه يوم النفخة الأولى التي يصعق فيها من في السماوات والأرض - إلا من شاء اللّه - لا يوم يبعثون . . وهنا يعلن إبليس في تبجح خبيث - وقد حصل على قضاء بالبقاء الطويل - أنه سيرد على تقدير اللّه له الغواية